إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #181
    قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبداً وجب له مثقال ذرّة قِبَل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَلَهُ. { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـظ°عِفْهَا } يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها. { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } يقول: ويعطه من عنده أجراً عظيماً. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله.

    ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعنى التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأوّل لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حثّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذمّ النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـظ°عِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }...

    قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بهذه الآية المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضاً، فإذا كان صحيحاً وعد الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين، كان غير جائز إلا أن يكون أحدهما مجملاً والآخر مفسراً، إذ كانت أخباره صلى الله عليه وسلم يصدِّق بعضها بعضاً. وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن خبر أبي هريرة معناه: إن الحسنة لتضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وأن قوله:
    { مَن جَآءَ بِظ±لْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }
    [الأنعام: 160] يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجراً، يعني: يعطه من عنده أجراً عظيماً، يعني: عوضاً من حسنته عظيماً. وذلك العوض العظيم: الجنة؛ كما:

    حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل، قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود: { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }: أي الجنة يعطها.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #182
      حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا الزبير، عن الضحاك: أن نافع ابن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تبارك وتعالى: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ظ±لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىظ° بِهِمُ ظ±لأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ظ±للَّهَ حَدِيثاً } ، وقوله:
      { وَظ±للَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
      [الأنعام: 23]؟ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقى عليّ ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحّده، فيقولون: تعالوا نجحد! فيسألهم، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سوّيت بهم، ولا يكتمون الله حديثاً.

      حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ظ±لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىظ° بِهِمُ ظ±لأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ظ±للَّهَ حَدِيثاً } يعني: أن تُسوّى الأرض بالجبال عليهم.

      فتأويل الآية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهمُ الأرْضُ ولَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثاً. كأنهم تمنوا أنهم سوّوا مع الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثاً.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #183
        حدثنا أحمد بن حازم الغفاريّ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، عن الضحاك: { يَـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ظ±لصَّلَوظ°ةَ وَأَنتُمْ سُكَـظ°رَىظ° } قال: لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم.

        قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، تأويل من قال ذلك: نهى من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك نهي من الله، وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه.

        فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك معناه، والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله، وأنت ممن تُحِيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى؟ قيل له: إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه، ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر، غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحرّ جسمه وأخدره، حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله، فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهِم، وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حدّ لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله: { لاَ تَقْرَبُواْ ظ±لصَّلَوظ°ةَ } لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته....

        قال أبو جعفر: وأولى القولين بالتأويل لذلك تأويل من تأوّله: { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ }: إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: { وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىظ° أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنْكُمْ مّن ظ±لْغَائِطِ أَوْ لَـظ°مَسْتُمُ ظ±لنِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } ، فكان معلوماً بذلك أن قوله: { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىظ° تَغْتَسِلُواْ } لو كان معنيًّا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: { وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىظ° أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ } معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل....

        قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: { أَوْ لَـظ°مَسْتُمُ ظ±لنِّسَاء } الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ.

        حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السديّ، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي ولا يتوضأ»....

        قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن الحدّ الذي لا يجزىء المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه، الكفان إلى الزندين لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز، ثم هو فيما جاوز ذلك مخير إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيراً فيما جاوز الكفين أن الله لم يحدّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدّاً لا يجوز التقصير عنه، فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه، وقد أجمع الجميع على أن التقصير عن الكفين غير مجزىء، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه، وإذ كان مختلفاً فيه، وكان الماسح بكفيه داخلاً في عموم الآية كان خارجاً مما لزمه من فرض ذلك.
        ...

        قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء والصلاة بقوله: { أَوْ لَـظ°مَسْتُمُ ظ±لنِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً }. وقد بينا ثم أن معنى الملامسة في هذا الموضع: الجماع بنقل الحجة التي لا يجوز الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه ولا السهو ولا التواطؤ والتضافر، بأن حكم الجنب في ذلك حكم سائر من أحدث فلزمه التطهر لصلاته، مع ما قد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التي قد ذكرنا بعضها وتركنا ذكر كثير منها استغناء بما ذكرنا منها عما لم نذكر، وكراهة منا إطالة الكتاب باستقصاء جميعه....

        قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: يتيمم المصلى لكل صلاة لزمه طلب الماء للتطهر لها فرضا لأن الله جلّ ثناؤه أمر كل قائم إلى الصلاة بالتطهر بالماء، فإن لم يجد الماء فالتيمم، ثم أخرج القائم إلى الصلاة من كان قد تقدم قيامه إليها الوضوء بالماء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يكون قد أحدث حدثا ينقض طهارته، فيسقط فرض الوضوء عنه بالسنة. وأما القائم إليها وقد تقدم قيامه إليها بالتيمم لصلاة قبلها، ففرض التيمم له لازم بظاهر التنزيل بعد طلبه الماء إذا أعوزه.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #184
          قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى قوله: { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً }: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، فنردّها على أدبارها، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوها، فيمشون القهقري، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.

          وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ظ±لْكِتَـظ°بِ يَشْتَرُونَ ظ±لضَّلـظ°لَةَ } ثم حذّرهم جلّ ثناؤه بقوله: { يَـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىظ° أَدْبَـظ°رِهَا }... الآية، بأَسه وسطوَتَه، وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكّ أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفاراً. وإذ كان ذلك كذلك، فبِّين فساد قول من قال: تأويل ذلك أن نعميها عن الحقّ فنردّها في الضلالة، فما وجه ردّ من هو في الضلالة فيها؟ وإنما يرد في الشيء من كان خارجاً منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: يردّه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً أن الله قد تهدّد الذين ذكرهم في هذه الآية بردّه وجوههم على أدبارهم، كان بيناً فساد تأويل من قال: معنى ذلك يهدّدهم بردّهم في ضلالتهم.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #185
            وقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكية من بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك:

            حدثني يحيـى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضرًّا، فيقول: والله إنك لذيت وذيت، ولعلّه أن يرجع، ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }... الآية.

            قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى تزكية القوم الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، لأنه ذلك هو أظهر معانيه لإخبار الله عنهم أنها إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.

            وأما الذين قالوا: معنى ذلك: تقديمهم أطفالهم للصلاة، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #186
              قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل: { يُؤْمِنُونَ بِظ±لْجِبْتِ وَظ±لطَّـظ°غُوتِ } أن يقال: يصدّقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين. وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائناً ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.

              وإذ كان ذلك كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتاً وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيـي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.....

              ...

              وقال آخرون: بل عَنَى الله به العربَ. ذكر من قال ذلك:

              حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } أولئك اليهود حسدوا هذا الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.

              وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عاتب اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلاً على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذبة: أم يحسدون محمداً على ما آتاهم الله من فضله.

              وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } مضى بذمّ القائلين من اليهود للذين كفروا:
              { هَـؤُلاء أَهْدَىظ° مِنَ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً }
              ، فإلحاق قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبه وأولى، ما لم يأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك....

              حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } وذلك أن اليهود قالوا: ما شأن محمد أعطي النبوّة كما يزعم وهو جائع عار، وليس له همّ إلا نكاح النساء؟ فحسدوه على تزويج الأزواج، وأحلّ الله لمحمد أن ينكح منهنّ ما شاء أن ينكح.

              وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول قتادة وابن جُريج الذي ذكرناه قبلُ أن معنى الفضل في هذا الموضع النبوّة التي فضل الله بها محمداً، وشرّف بها العرب إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم، لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية تدلّ على أنها تقريظ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء، وإن كان من فضل الله جلّ ثناؤه الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح....

              وأولى هذه الأقوال بتأويل الآي، وهي قوله: { وَءاتَيْنَـظ°هُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال: يعني: ملك سليمان؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال: إنه ملك النُبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليل النساء والملك عليهنّ. لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #187
                وقال آخرون: الذي خُوطِبَ بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أُمِرَ بردّها على عثمان بن طلحة. ذكر من قال ذلك:

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ظ±لأَمَـظ°نَـظ°تِ إِلَى أَهْلِهَا } قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قبض منه النبيّ صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداؤه أبي وأمي! ما سمعته يتلوها قبل ذلك.

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال: دفعه إليه وقال: أعينوه.

                وأولى هذه الأقوال بالصوااب في ذلك عندي قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولّوا في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية....

                حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: { أَطِيعُواْ ظ±للَّهَ وَأَطِيعُواْ ظ±لرَّسُولَ وَأُوْلِى ظ±لأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أبو بكر وعمر.

                وأوْلَي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة وللمسلمين مصلحة.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #188
                  حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } قال: هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.

                  حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

                  حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي بنحوه، إلا أنه قال: إلى الكاهن.

                  قال أبو جعفر: وهذا القول ـ أعني قول من قال: عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله:
                  { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }

                  [النساء: 60] أولى بالصواب، لأن قوله؛ { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } في سياق قصة الذين ابتدأ اللّه الخبر عنهم بقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } ، ولا دلالة تدلّ على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أَوْلَى.

                  فإن ظنّ ظانّ أن في الذي رُوي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرّة، وقول من قال في خبرهما، فنزلت: { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } ما ينبيء عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في حصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاريّ، إذ كانت الآية دالة على ذلك. وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيعدل به عن معنى ما قبله. ـ وأما قوله: { وَيُسَلِّمُواْ } فإنه منصوب عطفاً على قوله: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ }. قوله: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } نصب عطفاً على قوله: { حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }. ]

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #189
                    وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعاً. قالوا: وقوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } خرج مخرج الاستثناء في اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحد من الضلالة، فجعل قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } دليلاً على الإحاطة. واستشهدوا على ذلك بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:
                    أشمُّ كثيرُ يَدِيِّ النَّوالِ قليلُ المَثالِبِ والقادِحَهْ
                    قالوا: فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب، ومعلوم أن معناه: أنه لا مثالب فيه ولا معايب؛ لأن من وصف رجلاً بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة، فإنما ذمه ولم يمدحه، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه. قالوا: فكذلك قوله: { لاَتَّبَعْتُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نَ إِلاَّ قَلِيلاً } إنما معناه: لاتبعتم جميعكم الشيطان.

                    وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: عنى باستثناء القليل من الإذاعة؛ وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً، ولو ردّوه إلى الرسول.

                    وإنما قلنا: إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قول: { لاَتَّبَعْتُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نَ } لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجّهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون: معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعاً، ثم زعم أن قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: { لَعَلِمَهُ ظ±لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } لأن علم ذلك إذا ردّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه. وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل، فبِّين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة.....

                    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } قال: على كل شيء قديراً. المقيت: القدير.

                    قال أبو جعفر: والصواب من هذه الأقوال، قول من قال: معنى المقيت: القدير، وذلك أن ذلك فيما يذكر كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                    وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفسَ عنْهُ وكُنْتُ على مَساءَتِهِ مُقيتا
                    أي قادراً. وقد قيل: إن منه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " كَفَى بالمَرْءِ إثْماً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يُقِيتُ " في رواية من رواها: «يُقيت»: يعني من هو تحت يديه في سلطانه من أهله وعياله، فيقدر له قوته. يقال منه: أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة، وقاته يقوته قياتة وقُوتاً، والقوت الاسم. وأما المُقِيتُ في بيت اليهودي الذي يقول فيه:
                    لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذَا مَا قَرَّبُوها مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
                    ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَليَّ إذَا حُو سِبْتُ إنَّي على الحِسابِ مُقِيتُ
                    فإن معناه: فإني على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #190
                      حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } قال: قال أبي: حقّ على كل مسلم حُيِّـي بتحية أن يحيـي بأحسن منها، وإذا حياه غير أهل الإسلام أن يردّ عليه مثل ما قال.

                      قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية قول من قال ذلك في أهل الإسلام، ووجه معناه إلى أنه يردّ السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها. وذلك أن الصحاح من الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واجب على كل مسلم ردّ تحية كل كافر أحسن من تحيته، وقد أمر الله بردّ الأحسن؛ والمثل في هذه الآية من غير تمييز منه بين المستوجب ردّ الأحسن من تحيته عليه والمردود عليه مثلها بدلالة يعلم بها صحة قول من قال: عنى بردّ الأحسن المسلم، وبردّ المثل: أهل الكفر.

                      والصواب إذْ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلَّم عليه بين ردّ الأحسن أو المثل إلا في الموضع الذي خصّ شيئاً من ذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مسلماً لها. وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن ردّ الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: «وعليكم»، فلا ينبغي لأحد أن يتعدّى ما حدّ في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلم عليه منهم في الردّ من الخيار ما جعل الله له من ذلك. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر؛ وذلك ما:

                      حدثني موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عبد الله بن السريّ الأنطاكي، قال: ثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهديّ، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: " وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّه " ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله فقال له رسول الله: " وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه! " ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! فقال له: " وَعَلَيْك! " فقال له الرجل: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ؟ فقال: " أنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنا شَيْئاً، قال الله { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } فرددناها عَلَيْكَ "

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #191
                        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فَمَا لَكُمْ فِى ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ فِئَتَيْنِ وَظ±للَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } حتى بلغ:
                        { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىظ° يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ }
                        [النساء: 89] قال: هذا في شأن ابن أبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم. فقال سعد بن معاذ: فإنى أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه! يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول.

                        قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى ذكره:
                        { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىظ° يُهَاجِرُواْ }

                        [النساء: 89] أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيماً من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #192
                          قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك المقتول من أهل العهد، لأن الله أبهم ذلك، فقال: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ } ولم يقل: «وهو مؤمن» كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب؛ أو عني المؤمن منهم وهو مؤمن. فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل، الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك.

                          فإن ظنّ ظانّ أن في قوله تبارك وتعالى: { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } دليلاً على أنه من أهل الإيمان، لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن، فقد ظنّ خطأ؛ وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء، لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء، فكذلك حكم ديات أحرارهم سواء، مع أن دياتهم لو كانت على ما قال من خالفنا في ذلك، فجعلها على النصف من ديات أهل الإيمان أو على الثلث، لم يكن في ذلك دليل على أن المعنىّ بقوله: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } من أهل الإيمان، لأن دية المؤمَّنة لا خلاف بين الجميع، إلا من لا يعدّ خلافاً أنها على النصف من دية المؤمن، وذلك غير مخرجها من أن تكون دية، فكذلك حكم ديات أهل الذمة لو كانت مقصرة عن ديات أهل الإيمان لم يخرجها ذلك من أن تكون ديات، فكيف والأمر في ذلك بخلافه ودياتهم وديات المؤمنين سواء؟.
                          ...

                          قال أبو جعفر:والصواب من القول في ذلك أن الصوم عن الرقبة دون الدية، لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك، نقلاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله. والمتابعة صوم الشهرين، ولا يقطعه بإفطار بعض أيامه لغير علة حائلة بينه وبين صومه. ثم قال جلّ ثناؤه: { تَوْبَةً مِّنَ ظ±للَّهِ وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } يعني: تجاوزاً من الله لكم إلى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين. { وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } يقول: ولم يزل الله عليماً بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، حكيماً بما يقضي فيهم ويريد

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #193
                            حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، قال: سمعت رجلاً يحدّث خارجة بن زيد، قال: سمعت أباك في هذا المكان بمني يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة، قال: أراه بستة أشهر، يعني: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } بعد:
                            { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }
                            [النساء: 48].

                            حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: ما نسخها شيء منذ نزلت، وليس له توبة.

                            قال أبو جعفر: وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه إنْ جزاه جهنم خالداً فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عزّ ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله:
                            { قُلْ يظ°عِبَادِىَ ظ±لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ظ±للَّهِ إِنَّ ظ±للَّهَ يَغْفِرُ ظ±لذُّنُوبَ جَمِيعاً }
                            [الزمر: 53].

                            فإن ظنّ ظانّ أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عزّ ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله:
                            { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }
                            [النساء: 48] والقتل دون الشرك.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #194
                              واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ظ±لسَّلَـظ°مَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المكيين والمدنيين والكوفيين «السَّلَمَ» بغير ألف، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: { ظ±لسَّلَـظ°مُ } بألف، بمعنى التحية.

                              والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلَمَ» بمعنى: من استسلم لكم مذعناً لله بالتوحيد مقرّاً لكم بملتكم. وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك، فمن راوٍ روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحقّ وقال: إني مسلم؛ ومن راو روى أنه قال: السلام عليكم، فحياهم تحية الإسلام، ومن راو روى أنه كان مسلماً بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه. وكل هذه المعاني يجمعها السلم، لأن المسلم مستسلم، والمحِّيـي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحقّ مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى السَّلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية، وليس كذلك في السلام، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية، فلذلك وصفنا السَّلم بالصواب.
                              ...

                              واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلام مستخفياً في قومه بدينه خوفاً على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذراً على أنفسكم منهم، فمنّ الله عليكم. ذكر من قال ذلك:

                              حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ } تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.

                              حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } تكتمون إيمانكم في المشركين.

                              وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلم كافراً كنتم كفاراً، فهداه كما هداكم. ذكر من قال ذلك:

                              حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ ظ±للَّهُ عَلَيْكُمْ } كفاراً مثله، { فَتَبَيَّنُواْ }.

                              وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الأوّل، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمين بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيماً بين أظهر قومه من المشركين، مستخفياً بدينه منهم.

                              وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله عزّ ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلام، ولم يقد به قاتلوه للبس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنهم أنه ألقى السلام إلى المؤمنين تعوّذاً منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركاً، فيقال: كما كان كافراً كنتم كفاراً؛ بل لا وجه لذلك، لأن الله جلّ ثناؤه لم يعاتب أحداً من خلقه على قتل محارب لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقتله....

                              وأولى التأويلين في ذلك بالصواب التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } ما وصفنا قبل، فالواجب أن يكون عقيب ذلك: { فَمَنَّ ظ±للَّهُ عَلَيْكُمْ } فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به، من توحيده وعبادته، حذراً من أهل الشرك. ]

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #195
                                واختلفت القراء في قراءة قوله: { غَيْرَ أُوْلِى ظ±لضَّرَرِ }؛ فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة ومكة والشام: «غيرَ أُولي الضَّرَرِ } نصباً، بمعنى: إلا أولي الضرر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل العراق والكوفة والبصرة: { غَيْرُ أُوْلِى ظ±لضَّرَرِ } برفع «غيرُ» على مذهب النعت للقاعدين.

                                والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «غيرَ أُولي الضَّرَرِ» بنصب غيرَ، لأن الأخبار متظاهرة بأن قوله: «غَيْرَ أُولي الضَّرَرِ» نزل بعد قوله: { لاَّ يَسْتَوِى ظ±لْقَـظ°عِدُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُجَـظ°هِدُونَ فِى سَبِيلِ ظ±للَّهِ بِأَمْوظ°لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } استثناء من قوله: { لاَّ يَسْتَوِى ظ±لْقَـظ°عِدُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُجَـظ°هِدُونَ }. ذكر بعض الأخبار الواردة بذلك:

                                حدثنا نصر بن عليّ الجهضمي، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ائْتُونِي بالكَتِفِ وَاللَّوْحِ " ! فَكَتبَ: { لاَّ يَسْتَوِى ظ±لْقَـظ°عِدُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُجَـظ°هِدُونَ } وعمرو بن أمّ مكتوم خلف ظهره، فقال: هل لي من رخصة يا رسول الله؟ فنزلت: «غَيْرَ أُولي الضَّرَرِ»....

                                حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { وَفَضَّلَ ظ±للَّهُ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ عَلَى ظ±لْقَـظ°عِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً } قال: على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.]...

                                وأولى التأويلات بتأويل قوله؛ { دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ } أن يكون معنيًّا به درجات الجنة، كما قال ابن محيريز؛ لأن قوله تعالى ذكره: { دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ } ترجمة وبيان عن قوله: { أَجْراً عَظِيماً } ، ومعلوم أن الأجر إنما هو الثواب والجزاء، وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الدرجات والمغفرة والرحمة ترجمة عنه، كان معلوماً أن لا وجه لقول من وجه معنى قوله: { دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ } إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد كما قال قتادة وابن زيد. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيح من تأويل ذلك ما ذكرنا، فبيَّن أن معنى الكلام: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير أولي الضرر أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً، وهو درجات أعطاهموها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها على القاعدين بما أبلوا في ذات الله. { وَمَغْفِرَةً } يقول: وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها. { وَرَحْمَةً } يقول: ورأفة بهم. { وَكَانَ ظ±للَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يقول: ولم يزل الله غفوراً لذنوب عباده المؤمنين، فيصفح لهم عن العقوبة عليها { رَّحِيماً } بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه وركوبهم معاصيه.

                                تعليق

                                يعمل...