إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #406
    يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ.

    ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيِّه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. { إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم. فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم.

    فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: { فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها } بمعنى: فما كانت قرية آمنت بمعنى الجحود، فكيف نصب «قوم» وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحداً كان ما بعده مرفوعاً، وأن الصحيح من كلام العرب: ما قام أحد إلا أخوك، وما خرج أحد إلا أبوك؟ قيل: إن ذلك إنما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله وذلك أن الأخ من جنس أحد، وكذلك الأب. ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله كان الفصيح من كلامهم النصب، وذلك لو قلت: ما بقي في الدار أحد إلا الوتد، وما عندنا أحد إلا كلباً أو حماراً لأن الكلب والوتد والحمار من غير جنس أحد، ومنه قول النابغة الذبياني:
    ............ أعْيَتْ جوَاباً ومَا بالرَّبعْ مِنْ أحَدِ
    ثم قال
    إلاَّ أوارِيَّ لأَيا ما أُبَيِّنُها والنّؤْىُ كالحَوْضِ بالمظلومة الجَلَدِ
    فنصب «الأواريّ» إذ كان مستثنى من غير جنسه، فكذلك نصب قوم يونس لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم من غير جنسهم وشكلهم وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع. ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعاً، ولكنهم كما وصفت.

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: { فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها } يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس.

    قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #407
      سورة هود

      حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ } قال: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها: بينها.

      وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدَّخل والخلل والباطل، ثم فصلها بالأمر والنهي. وذلك أن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله. وأما تفصيل آياته فإنه تمييز بعضها من بعض بالبيان عما فيها من حلال وحرام وأمر ونهي. وكان بعض المفسرين يفسر قوله: { فُصّلَتْ } بمعنى: فسرت، وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول....

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #408
        حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول: تثنوني صدورُهم.

        وهذا التأويل الذي تأوّله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القرّاء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلاً منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم.

        وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: { لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ } بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله: { مِنْهُ } عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل،. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به، فلما أخبرهم جلّ ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرّ أمورهم وعلانيتها على أيّ حال كانوا تغشوا بالثياب أو ظهروا بالبراز، فقال: { ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يعني: يتغشون ثيابهم يتغطونها ويلبسون، يقال منه: استغشى ثوبه وتغشاه، قال الله: واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وقالت الخنساء
        أرْعَى النُّجُومَ وَما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغشَّى فَضْلَ أطْمارِى
        { يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ } يقول جلّ ثناؤه: يعلم ما يسرّ هؤلاء الجهلة بربهم، الظانون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها وثنوه، وما تناجوه بينهم فأخفوه { وما يُعْلِنُونَ } سواء عنده سرائر عباده وعلانيتهم { إنّه عَلِيمٌ بذَاتِ الصُّدُورَ } يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بكلّ ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر وحقّ وباطل وخير وشرّ، وما تستجنّه مما لم يجنه بعد. كما:

        حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: { ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يقول: يغطون رؤسهم.

        قال أبو جعفر،فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صدوركم الشك في شىء من توحيده أو أمره أو نهيه،أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق،فتهلكوا باعتقادكم ذلك.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #409
          وقوله: { وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها } حيث تستقرّ فـيه، وذلك مأواها الذي تأوي إلـيه لـيلاً أو نهارا. { وَمُسْتَوْدَعَها }: الـموضع الذي يُودِعها، إما بـموتها فـيه أو دفنها...

          وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـيه، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن ما رزقت الدوابّ من رزق فمنه، فأولـى أن يتبع ذلك أن يعلـم مثواها ومستقرّها دون الـخبر عن علـمه بـما تضمنته الأصلاب والأرحام.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #410
            وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ }: قول من قال: هو جبرئيـل، لدلالة قوله: { وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماماً وَرَحْمَةً } علـى صحة ذلك وذلك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لـم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فـيكون ذلك دلـيلاً علـى صحة قول من قال: عُنِـي به لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم، أو مـحمد نفسه، أو علـيّ علـى قول من قال: عُنِـي به علـيٌّ. ولا يعلـم أن أحداً كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مـمن ذكر أهل التأويـل أنه عُنِـي بقوله: { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } غير جبرئيـل علـيه السلام.

            فإن قال قائل: فإن كان ذلك دلـيـلك علـى أن الـمَعْنـيّ به جبرئيـل، فقد يجب أن تكون القراءة فـي قوله: { وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى } بـالنصب لأن معنى الكلام علـى ما تأوّلت يجب أن يكون: ويتلو القرآن شاهد من الله، ومن قَبل القرآن كتاب موسى؟ قـيـل: إن القراء فـي الأمصار قد أجمعت علـى قراءة ذلك بـالرفع فلـم يكن لأحد خلافُها، ولو كانت القراءة جاءت فـي ذلك بـالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى صحيحاً.

            فإن قال: فما وجه رفعهم إذا الكتاب علـى ما ادّعيت من التأويـل؟ قـيـل: وجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الـخبر عن مـجيء كتاب موسى قبل كتابنا الـمنزل علـى مـحمد، فرفعوه ب «من» قبله، والقراءة كذلك، والـمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيـل ذلك قبل القرآن، وأن الـمراد من معناه ذلك وإن كان الـخبر مستأنفـا علـى ما وصفت اكتفـاء بدلالة الكلام علـى معناه.

            وأما قوله: { إماماً } فإنه نصب علـى القطع من كتاب موسى، وقوله { وَرَحْمَةً } عطف علـى «الإمام»، كأنه قـيـل: ومن قبله كتاب موسى إماماً لبنـي إسرائيـل يأَتَـمُّون به، ورحمة من الله تلاه علـى موسى...

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #411
              وقوله: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } فإنه اختلف فـي تأويـله، فقال بعضهم: ذلك وصف الله به هؤلاء الـمشركين أنه قد ختـم علـى سمعهم وأبصارهم، وأنهم لا يسمعون الـحقّ، ولا يبصرون حُجَج الله سماع منتفع ولا إبصار مهتد. ذكر من قال ذلك:

              حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } صمّ عن الـحقّ فما يسمعونه، بكم فما ينطقون به، عُمْي فلا يبصرونه، ولا ينتفعون به.

              حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خبراً فـينتفعوا به، ولا يبصروا خيراً فـيأخذوا به.

              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: أخبر الله سبحانه أنه حال بـين أهل الشرك وبـين طاعته فـي الدنـيا والآخرة. أما فـي الدنـيا فإنه قال: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } وهي طاعته، { وَما كانُوا يُبْصِرُونَ }. وأما فـي الآخرة فإنه قال: { فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً }.

              وقال آخرون: إنـما عَنـي بقوله: { وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أوْلِـياءِ } آلهة الذين يصدّون عن سبـيـل الله. وقالوا: معنى الكلام: أولئك وآلهتهم لـم يكونوا معجزين فـي الأرض، { يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } يعنـي الآلهة أنها لـم يكن لها سمع ولا بصر. هذا قول رُوي عن ابن عبـاس من وجه كرهت ذكره لضعف سنده.

              وقال آخرون: معنى ذلك: يضاعف لهم العذاب بـما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه، وبـما كانوا يبصرون ولا يتأملون حجج الله بأعينهم فـيعتبروا بها. قالوا: والبـاء كان ينبغي لها أن تدخـل، لأنه قد قال:
              { فَلَهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ بِـمَا كانُوا يَكْذِبُونَ }
              بكذبهم فـي غير موضع من التنزيـل أدخـلت فـيه البـاء، وسقوطها جائز فـي الكلام كقولك فـي الكلام: لاحن بـما فـيك ما علـمت وبـما علـمت، وهذا قول قاله بعض أهل العربـية.

              والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله ابن عبـاس وقتادة، من أن الله وصفهم تعالـى ذكره بأنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الـحقّ سماع منتفع، ولا يبصرونه إبصار مهتد، لاشتغالهم بـالكفر الذي كانوا علـيه مقـيـمين، عن استعمال جوارحهم فـي طاعة الله، وقد كانت لهم أسماع وأبصار.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #412
                وقوله: { بـادِيَ الرأيِ } اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والعراق: { بـادِيَ الرأيِ } بغير همز «البـادي» وبهمز «الرأي»، بـمعنى: ظاهر الرأي، من قولهم: بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، كما قال الراجز
                أضْحَى لـخالـي شَبَهِي بـادِيَ بَدِيْ وصَارَ للفَحْلِ لِسانِـي وَيَدِي
                «
                بـادي بدي» بغير همز. وقال آخر:

                وَقَدْ عَلَتْنِـي ذُرْأةٌ بـادِي بَدِي
                وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: «بـادِىءَ الرأيِ» مهموز أيضا، بـمعنى: مبتدأ الرأي، من قولهم: بدأت بهذا الأمر: إذا ابتدأت به قبل غيره.

                وأولـى القراءتـينِ بـالصواب فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: { بـادِيَ } بغير همز «البـادي»، وبهمز «الرأي»، لأن معنى ذلك الكلام: إلا الذين هم أراذلنا فـي ظاهر الرأي وفـيـما يظهر لنا....

                واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الـمدينة وبعض أهل البصرة والكوفة: «فَعَمِيَتْ» بفتـح العين وتـخفـيف الـميـم، بـمعنى: فعميت الرحمة علـيكم فلـم تهتدوا لها فتقروا بها وتصدقوا رسولكم علـيها. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ } بضمّ العين وتشديد الـميـم، اعتبـاراً منهم ذلك بقراءة عبد الله، وذلك أنهما فـيـما ذكر فـي قراءة عبد الله: «فعماها علـيكم».

                وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه: { فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ } بضمّ العين وتشديد الـميـم للذي ذكروا من العلة لـمن قرأ به، ولقربه من قوله: { أرأيْتُـمْ إنْ كُنْتُ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبـيّ وآتانِـي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ } فأضاف الرحمة إلـى الله، فكذلك تعميته علـى الآخرين بـالإضافة إلـيه أولـى. وهذه الكلـمة مـما حوّلت العرب الفعل عن موضعه، وذلك أن الإنسان هو الذي يَعْمَى عن إبصار الـحقّ، إذ يَعْمى عن إبصاره، والـحقّ لا يوصف بـالعَمَى إلا علـى الاستعمال الذي قد جرى به الكلام، وهو فـي جوازه لاستعمال العرب إياه نظير قولهم: دخـل الـخاتـم فـي يدي، والـخفّ فـي رجلـي، ومعلوم أن الرجل هي التـي تدخـل فـي الـخفّ، والأصبع فـي الـخاتـم، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك لـما كان معلوماً الـمراد فـيه.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #413
                  وأولـى هذه الأقوال عندنا بتأويـل قوله: { التَّنُّور } قول من قال: هو التنور الذي يخبز فـيه لأن ذلك هو الـمعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلـى الأغلب الأشهر من معانـيه عند العرب إلا أن تقوم حجة علـى شيء منه بخلاف ذلك فـيسلـم لها....

                  والقراءة التـي نـختارها فـي ذلك قراءة من قرأ: { بِسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها } بفتـح الـميـم { وَمُرْساها } بضم الـميـم، بـمعنى: بسم الله حين تَـجْري وحين تُرْسِي.

                  وإنـما اخترت الفتـح فـي ميـم «مَـجْراها» لقرب ذلك من قوله: { وَهِيَ تَـجْرِي بِهِمْ فِـي مَوْجٍ كالـجِبـالِ } ولـم يقل: تُـجْرَى بهم. ومن قرأ: «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْراها» كان الصواب علـى قراءته أن يقرأ: وهي تُـجْرَي بهم. وفـي إجماعهم علـى قراءة «تـجري» بفتـح التاء دلـيـل واضح علـى أن الوجه فـي «مَـجراها» فتـح الـميـم. وإنـما اخترنا الضم فـي «مُرساها» لإجماع الـحجة من القرّاء علـى ضمها. ومعنى قوله { مَـجْراها } مسيرها { وَمُرْساها } وَقْـفها، من وقـفها الله وأرساها. وكان مـجاهد يقرأ ذلك بضم الـميـم فـي الـحرفـين جميعاً.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #414
                    وقال بعض نـحويـي البصرة: { لا عاصِمَ الـيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ } علـى: لَكِنْ مَنْ رحم، ويجوز أن يكون علـى: لا ذا عصمة: أي معصوم، ويكون «إلا من رحم» رفعاً بدلاً من العاصم. ولا وجه لهذه الأقوال التـي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالـى إنـما يوجه إلـى الأفصح الأشهر من كلام مَن نزل بلسانه ما وجد إلـى ذلك سبـيـل، ولـم يضطرنا شيء إلـى أن نـجعل «عاصماً» فـي معنى «معصوم»، ولا أن نـجعل «إلاَّ» بـمعنى «لكن»، إذ كنا نـجد لذلك فـي معناه الذي هو معناه فـي الـمشهور من كلام العرب مَخْرجا صحيحا، وهو ما قلنا من أن معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم الـيوم من أمر الله إلا من رحمنا فأنـجانا من عذابه، كما يقال: لا مُنْـجِيَ الـيوم من عذاب الله إلا الله، ولا مُطِعم الـيوم من طعام زيد إلا

                    إلا زيد. فهذا هو الكلام الـمعروف والـمعنى الـمفهوم.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #415
                      وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: إنه لـيس من أهلك الذين وعدتك أن أنـجَيهم، لأنه كان لدينك مخالفـاً وبـي كافراً. وكان ابنه لأن الله تعالـى ذكره قد أخبر نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، فقال: { وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ } وغير جائز أن يخبر أنه ابنه فـيكون بخلاف ما أخبر. ولـيس فـي قوله: { إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ } دلالة علـى أنه لـيس بـابنه، إذ كان قوله: { لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ } مـحتـملاً من الـمعنى ما ذكرنا، ومـحتـملاً أنه لـيس من أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فـيقال: إنه لـيس من أهلك، كما قـيـل: { وَاسأَلِ القَرْيَةَ التـي كُنَّا فِـيها }....

                      والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك رفع «عمل» بـالتنوين، ورفع «غير»، يعنـي: إن سؤالك إياي ما تسألنـيه فـي ابنك الـمخالف دينك الـموالـي أهل الشرك بـي من النـجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتـي إياك فـي دعائك:
                      { لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً }
                      ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم عملٌ غير صالـح، لأنه مسألة منك إلـيّ أن لا أفعل ما قد تقدم منـي القول بأنـي أفعله فـي إجابتـي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالـح. وقوله: { فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ } نهي من الله تعالـى ذَكَّره نبـيه نوحاً أن يسأله عن أسبـاب أفعاله التـي قد طوى علـمها عنه وعن غيره من البشر. يقول له تعالـى ذكره: إنـي يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب إهلاكي ابنك الذي أهكلته، فلا تسألن بعدها عما قد طَوَيت علـمه عنك من أسبـاب أفعالـي، ولـيس لك به علـم إنـي أعظك أن تكون من الـجاهلـين فـي مسألتك إياي عن ذلك.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #416
                        قالُوا سَلاماً } يقول: فسلـموا علـيه سلاماً، ونصب «سلاماً» بإعمال «قالوا» فـيه، كأنه قـيـل: قالوا قولاً وسلَّـموا تسلـيـماً. { قالَ سَلامٌ } يقول: قال إبراهيـم لهم: سلام. فرفع «سلام»، بـمعنى علـيكم السلام، أو بـمعنى سلام منكم. وقد ذُكِر عن العرب أنها تقول: سِلْـم، بـمعنى السلام كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرْم وحرام. وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده:

                        مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْـمٌ فَسَلَّـمَتْ كمَا اكْتَلَّ بـالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوَائِحُ
                        بـمعنى «سلام». وقد روي «كما انكلّ». وقد زعم بعضهم أن معناه إذا قرىء كذلك: نـحن سِلْـم لكم، من الـمسالـمة التـي هي خلاف الـمـحاربة، وهذه قراءة عامة قرّاء الكوفـيـين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـحجاز والبصرة { قالوا سلاماً قال سَلامٌ } علـى أن الـجواب من إبراهيـم صلى الله عليه وسلم لهم، بنـحو تسلـيـمهم علـيكم السلام.

                        والصواب من القول فـي ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، لأن السِّلْـم قد يكون بـمعنى السلام علـى ما وصفت، والسلام بـمعنى السلـم، لأن التسلـيـم لا يكاد يكون إلا بـين أهل السِّلـم دون الأعداء، فإذا ذكر تسلـيـم من قوم علـى قوم وردّ الآخرين علـيهم، دلّ ذلك علـى مسالـمة بعضهم بعضاً. وهما مع ذلك قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة فـي القراءة، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #417
                          وأولـى الأقوال التـي ذكرت فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى قوله: «فضحكت»: فعجبت من غفلة قوم لوط عما قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلته عنه.

                          وإنـما قُلْنا هذا القول أولـى بـالصواب لأنه ذكر عقـيب قولهم لإبراهيـم: لا تـخف إنا أرسلنا إلـى قوم لوط. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيـم: لا تـخف، كان الضحك والتعجب إنـما هو من أمر قوم لوط....

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #418
                            والصواب من القول فـي ذلك ما قاله الربـيع بن أنس، وذلك أن قوله: { مَنْضُودٍ } من نعت «سجيـل»، لا من نعت الـحجارة، وإنـما أمطر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نضد بعضه إلـى بعض، فـيصير حجارة، ولـم يـمطروا الطين فـيكون موصوفـا بأنه تتابع علـى القوم بـمـجيئه، وإنـما كان جائزاً أن يكون علـى ما تأوّله هذا الـمتأوّل لو كان التنزيـل بـالنصب متضودة فـيكون من نعت الـحجارة حينئذ....

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #419
                              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما أخبر الله عن شعيب أنه قال لقومه، وذلك قوله: { إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ } يعنـي بخير الدنـيا. وقد يدخـل فـي خير الدنـيا الـمال وزينة الـحياة الدنـيا ورخص السعر، ولا دلالة علـى أنه عنـي بقـيـله ذلك بعض خيرات الدنـيا دون بعض، فذلك علـى كلّ معانـي خيرات الدنـيا التـي ذكر أهل العلـم أنهم كانوا أوتوها. وإنـما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا فـي سعة من عيشهم ورخص من أسعارهم كثـيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم فـي مكايـيـلكم وموازينكم، فقد وسَّع الله علـيكم رزقكم، { وَإنِّـي أخافُ عَلـيكُم } بـمخالفتكم أمر الله وبخسكم الناس أموالهم فـي مكايـيـلكم وموازينكم عذابَ يومٍ مُـحيطٍ يقول: أن ينزل بكم عذاب يوم مـحيط بكم عذابه. فجعل الـمـحيط نعتاً للـيوم، وهو من نعت العذاب، إذ كان مفهوماً معناه، وكان العذاب فـي الـيوم، فصار كقولهم جُبَّتك مـحترقة.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #420
                                وإنـما اخترت فـي تأويـل ذلك القول الذي اخترته، لأن الله تعالـى ذكره إنـما تقدم إلـيهم بـالنهي عن بخس الناس أشياءهم فـي الـمكيال والـميزان، وإلـى ترك التطفـيف فـي الكيـل والبخس فـي الـميزان دعاهم شعيب، فتعقـيب ذلك بـالـخبر عما لهم من الـحظّ فـي الوفـاء فـي الدنـيا والآخرة أولـى، مع أن قوله: { بَقِـيَّةُ } إنـما هي مصدر من قول القائل بَقَّـيْت بَقِـيَّة من كذا، فلا وجه لتوجيه معنى ذلك إلا إلـى: بقـية الله التـي أبقاها لكم مـما لكم بعد وفـائكم الناس حقوقهم خير لكم من بقـيتكم من الـحرام الذي يبقـى لكم من ظلـمكم الناس ببخسكم إياهم فـي الكيـل والوزن.

                                تعليق

                                يعمل...