إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #346
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: استـجيبوا لله وللرسول بـالطاعة إذا دعاكم الرسول لِـما يحيـيكم من الـحقّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلاً فـيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والـجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلـى حكم القرآن، وفـي الإجابة إلـى كلّ ذلك حياة الـمـجيب. أما فـي الدنـيا، فـيقال: الذكر الـجميـل، وذلك له فـيه حياة. وأما فـي الآخرة، فحياة الأبد فـي الـجنان والـخـلود فـيها.

    وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له لأن الله قد وصفهم بـالإيـمان بقوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ } فلا وجه لأن يقال للـمؤمن استـجب لله وللرسول إذا دعاك إلـى الإسلام والإيـمان.

    وبعد: ففـيـما:

    حدثنا أحمد بن الـمقدام العجلـي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أبـيّ وهو يصلـي، فدعاه:

    " أي أبـيّ " فـالتفت إلـيه أبـيّ، ولـم يجبه. ثم إن أبـيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: السلام علـيك أي رسول الله قال: " وَعَلَـيْكَ ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُـجِيبَنِـي؟ " قال: يا رسول الله كنت أصلـي. قال: " أفَلَـمْ تَـجِدْ فِـيـما أُوحِيَ إلـيّ { اسْتَـجُيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ }؟ " قال: بلـى يا رسول الله، لا أعود.

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، عن مـحمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أبـيّ وهو قائم يصلـي، فصرخ به، فلـم يجبه، ثم جاء فقال: " يا أبـيّ ما منعك أن تـجيبنـي إذ دعوتك، ألـيس الله يقول { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ }؟ " قال أبـيّ: لا جرم يا رسول الله، لا تدعونـي إلاَّ أجبت، وإن كنت أصلـي.

    ما يبـين عن أن الـمعنـيّ بـالآية هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى ما فـيه حياتهم بإجابتهم إلـيه من الـحقّ بعد إسلامهم، لأن أبـيًّا لا شكّ أنه كان مسلـما فـي الوقت الذي قال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا فـي هذين الـخبرين....

    وقال آخرون: معنى ذلك أنه قريب من قلبه لا يخفـى علـيه شيء أظهره أو أسرّه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: { يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ } قال: هي كقوله أقْرَبُ إلَـيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ.

    وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله عزّ وجلّ أنه أملك لقلوب عبـاده منهم، وإنه يحول بـينهم وبـينها إذا شاء، حتـى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئاً من إيـمان أو كفر، أو أن يعي به شيئاً، أو أن يفهم إلاَّ بإذنه ومشيئته. وذلك أن الـحول بـين الشيء والشيء إنـما هو الـحجز بـينهما، وإذا حجز جلّ ثناؤه بـين عبد وقلبه فـي شيء أن يدركه أو يفهمه، لـم يكن للعبد إلـى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبـيـل، وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـي ذلك قول من قال: يحول بـين الـمؤمن والكفر وبـين الكافر والإيـمان، وقول من قال: يحول بـينه وبـين عقله، وقول من قال: يحول بـينه وبـين قلبه حتـى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاَّ بإذنه لأن الله عزّ وجلّ إذا حال بـين عبد وقلبه، لـم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيـل بـينه وبـينه ما منع إدراكه به علـى ما بـينت.

    غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عمّ بقوله: { وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ } الـخبر عن أنه يحول بـين العبد وقلبه، ولـم يخصص من الـمعانـي التـي ذكرنا شيئاً دون شيء، والكلام مـحتـمل كلّ هذه الـمعانـي، فـالـخبر علـى العموم حتـى يخصه ما يجب التسلـيـم له.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #347
      حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يونس بن الـحرث الطائفـي، قال: ثنا مـحمد بن عبد الله بن عون الثقـفـيّ، عن الـمغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية فـي قتل عثمان رضي الله عنه: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ... } الآية.

      وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله نهى الـمؤمنـين عن خيانته وخيانة رسوله وخيانة أمانته. وجائز أن تكون نزلت فـي أبـي لبـابة، وجائز أن تكون نزلت فـي غيره، ولا خبر عندنا بأيّ ذلك كان يجب التسلـيـم له بصحته، فمعنى الآية وتأويـلها ما قدمنا ذكره....

      وقال آخرون: معنى الأمانات ههنا: الدِّين. ذكر من قال ذلك.

      حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَتـخُونُوا أماناتِكُمْ } دينكم. { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } قال: قد فعل ذلك الـمنافقون وهم يعلـمون أنهم كفـار، يظهرون الإيـمان. وقرأ:
      { وَإذَا قامُوا إلـى الصَّلاةِ قامُوا كُسالـى... }
      الآية، قال: هؤلاء الـمنافقون أمنهم الله ورسوله علـى دينه فخانوا، أظهروا الإيـمان وأسرّوا الكفر.

      فتأويـل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا لا تنقصوا الله حقوقه علـيكم من فرائضه ولا رسوله من واجب طاعته علـيكم، ولكن أطيعوهما فـيـما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تنقصوهما، وتـخونوا أماناتكم، وتنقصوا أديانكم، وواجب أعمالكم، ولازمها لكم، وأنتـم تعلـمون أنها لازمة علـيكم وواجبة بـالـحجج التـي قد ثبتت لله علـيكم.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #348
        وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله لـيعذّب الـمشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: { وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ }. ذكر من قال ذلك.

        حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ، قالا: قال فـي الأنفـال: { وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فنسختها الآية التـي تلـيها: { وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ... } إلـى قوله:
        { فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ }
        فقوتلوا بـمكة، وأصابهم فـيها الـجوع والـحصر.

        وأولـى هذه الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـله: وما كان الله لـيعذبهم وأنت فـيهم يا مـحمد وبـين أظهرهم مقـيـم، حتـى أخرجك من بـين أظهرهم لأنـي لا أهلك قرية وفـيها نبـيها.

        وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرّون علـيه، فهم للعذاب مستـحقون، كما يقال: ما كنت لأحسن إلـيك وأنت تسيء إلـيّ، يراد بذلك: لا أحسن إلـيك إذا أسأت إلـيّ ولو أسأت إلـيّ لـم أحسن إلـيك، ولكن أحسن إلـيك لأنك لا تسيء إلـيّ وكذلك ذلك. ثم قـيـل: { وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ } بـمعنى: وما شأنهم وما يـمنعهم أن يعذّبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فـيؤمنوا به، وهم يصدّون الـمؤمنـين بـالله ورسوله عن الـمسجد الـحرام.

        وإنـما قلنا هذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، لأن القوم أعنـي مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب، فقالوا: اللهمّ إن كان ما جاء به مـحمد هو الـحقّ، فأمطر علـينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألـيـم فقال الله لنبـيه: ما كنت لأعذّبهم وأنت فـيهم وما كنت لأعذّبهم لو استغفروا، وكيف لا أعذّبهم بعد إخراجك منهم وهم يصدّون عن الـمسجد الـحرام فأعلـمه جلّ ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل، وأعلـمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد إخراجه إياه من بـين أظهرهم. ولا وجه لإيعادهم العذاب فـي الآخرة، وهم مستعجلوه فـي العاجل، ولا شكّ أنهم فـي الآخرة إلـى العذاب صائرون، بل فـي تعجيـل الله لهم ذلك يوم بدر الدلـيـل الواضح علـى أن القول فـي ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجه لقول مَن وجَّه قوله: { وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } إلـى أنه عنـي به الـمؤمنـين، وهو فـي سياق الـخبر عنهم وعما الله فـاعل بهم، ولا دلـيـل علـى أن الـخبر عنهم قد تقضَّى، وعلـى أن ذلك به عنوا، ولا خلاف فـي تأويـله من أهله موجود. وكذلك أيضا لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: { وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ... } الآية، لأن قوله جلّ ثناؤه: { وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } خبر، والـخبر لا يجوز أن يكون فـيه نسخ، وإنـما يكون النسخ للأمر والنهي....

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #349
          حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً } والـمكاء: الصفـير، علـى نـحو طير أبـيض يقال له الـمكاء يكون بأرض الـحجاز والتصدية: التصفـيق.

          حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً } قال: الـمكاء: صفـير كان أهل الـجاهلـية يعلنون به. قال: وقال فـي الـمكاء أيضا: صفـير فـي أيديهم ولعب.

          وقد قـيـل فـي التصدية: إنها الصدّ عن بـيت الله الـحرام. وذلك قول لا وجه له لأن التصدية مصدر من قول القائل: صدّيت تصدية. وأما الصدّ فلا يقال منه: صدّيت، إنـما يقال منه صَدَدْت، فإن شدّدت منها الدال علـى معنى تكرير الفعل، قـيـل: صَدَّدت تصدية، إلاَّ أن يكون صاحب هذا القول وجَّه التصدية إلـى أنه من صدّدت، ثم قلبت إحدى دالـيه ياء، كما يقال: تظنـيت من ظننت، وكما قال الراجز:
          تَقَضّي البـازِي إذَا البـازِي كَسَرْ
          يعنـي: تقضض البـازي، فقلب إحدى ضاديه ياء، فـيكون ذلك وجها يوجه إلـيه. ذكر من قال ما ذكرنا فـي تأويـل التصدية:

          حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن سعيد بن جبـير: { وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً }: صدّهم عن بـيت الله الـحرام....

          وقال بعضهم: عنـي بذلك الـمشركون من أهل بدر. ذكر من قال ذلك.

          حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ... } الآية، قال: هم أهل بدر.

          والصواب من القول فـي ذلك عندي ما قلنا، وهو أن يقال: إن الله أخبر عن الذين كفروا به من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم، لـيصدوا عن سبـيـل الله، لـم يخبرنا بأيّ أولئك عنى، غير أنه عمّ بـالـخبر الذين كفروا، وجائز أن يكون عنى: الـمنفقـين أموالهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأُحد، وجائز أن يكون عنى الـمنفقـين منهم ذلك ببدر، وجائز أن يكون عنى القريقـين.

          وإذا كان ذلك كذلك، فـالصواب فـي ذلك أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه الذين كفروا من قريش.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #350
            وأما قوله: { فإن انْتَهَوْا } فإن معناه: فإن انتهوا عن الفتنة، وهي الشرك بـالله، وصاروا إلـى الدين الـحقّ معكم. { فإنَّ اللّهَ بِـمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يقول: فإن الله لا يخفـى علـيه ما يعملون من ترك الكفر والدخول فـي دين الإسلام لأنه يبصركم ويبصر أعمالكم والأشياء كلها متـجلـية له لا تغيب عنه ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فـي السموات ولا فـي الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاَّ فـي كتاب مبـين.

            وقد قال بعضهم: معنى ذلك: فإن انتهوا عن القتال.

            والذي قلنا فـي ذلك أولـى بـالصواب، لأن الـمشركين وإن انتهوا عن القتال، فإنه كان فرضاً علـى الـمؤمنـين قتالهم حتـى يسلـموا.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #351
              وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال قوله: { فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } افتتاح كلام وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم، ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوماً على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلاً قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية، وفي إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا. فأما من قال: سهم الرسول لذوي القربى، فقد أوجب للرسول سهماً وإن كان صلى الله عليه وسلم صرفه إلى ذوي قرابته، فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم. ...

              وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وحلفائهم من بني المطلب، لأن حليف القوم منهم، ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم....

              والصواب من القول في ذلك عندنا، أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس، والخمس مقسوم على أربعة أسهم على ما رُوي عن ابن عباس: للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد أجمعوا أن حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حقّ أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل السهمان الأخر. وأما اليتامى: فهم أطفال المسلمين الذين قد هلك آباؤهم. والمساكين: هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وابن السبيل: المجتاز سفراً ...

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #352
                واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } فقال بعضهم: معناه: ولكن الله سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم. ذكر من قال ذلك:

                حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } يقول: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم.

                وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن الله سلم أمره فيهم. ذكر من قال ذلك:

                حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } قال: سلم أمره فيهم.

                وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن عباس، وهو أن الله سلم القوم بما أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في منامه من الفشل والتنازع، حتى قويت قلوبهم واجترءوا على حرب عدوّهم وذلك أن قوله: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } عقيب قوله: { وَلَوْ أرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الأمْرِ } فالذي هو أولى بالخبر عنه، أنه سلمهم منه جلّ ثناؤه ما كان مخوفا منه لو لم يُرِ نبيه صلى الله عليه وسلم من قلة القوم في منامه.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #353
                  يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين الذين قتلوا ببدر أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم: ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم، هذا العذاب لكم { بما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #354
                    قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: «لا تَحْسَبن» بالتاء «الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ» بكسر الألف من «إنهُمْ لا يُعْجِزُونَ» بمعنى: ولا تحسبنّ أنت يا محمد الذين جحدوا حجج الله وكذّبوا بها سبقونا بأنفسهم، ففاتونا، إنهم لا يعجزوننا: أي يفوتوننا بأنفسهم، ولا يقدرون على الهرب منا. كما:

                    حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: { وَلا يَحْسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ } يقول: لا يفوتون.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #355
                      قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوّون به على جهاد عدوّه وعدوّهم من المشركين من السلاح والرمي وغير ذلك ورباط الخيل. ولا وجه لأن يقال: عني بالقوّة معنى دون معنى من معاني القوّة، وقد عمّ الله الأمر بها.

                      فإن قال قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد بين أن ذلك مراد به الخصوص بقوله: " ألا إن القُوَّةَ الرَّمْيُ " قيل له: إن الخبر وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخير ما يدلّ على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوّة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوّة، لأنه إنما قيل في الخبر: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ولم يقل دون غيرها. ومن القوّة أيضاً السيف والرمح والحربة، وكل ما كان معونة على قتال المشركين، كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم، هذا مع وهي سند الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                      وأما قوله: { وآخِرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ } فإن قول من قال: عني به الجنّ، أقرب وأشبه بالصواب لأنه جلّ ثناؤه قد أدخل بقوله: { وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } الأمر بارتباط الخيل لإرهاب كلّ عدوّ لله وللمؤمنين يعلمونهم، ولا شكّ أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم، لعلمهم بأنهم مشركون وأنهم لهم حرب، ولا معنى لأن يقال: وهم يعلمونهم لهم أعداء، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ولكن معنى ذلك: إن شاء الله ترهبون بارتباطكم أيها المؤمنون الخيل عدوّ الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم لكفرهم بالله ورسوله، وترهبون بذلك جنسا آخر من غير بني آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم الله يعلمهم دونكم، لأن بني آدم لا يرونهم. وقيل: إن صهيل الخيل يرهب الجنّ، وإن الجنّ لا تقرب داراً فيها فرس.

                      فإن قال قائل: فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون، فما تنكر أن يكون عني بذلك المنافقون؟ قيل: فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم، وإنما كان يروعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرّون من الكفر، وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوّة لإرهاب العدوّ، فأما من لم يرهبه ذلك فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون، وقيل: «لا تعلمونهم»، فاكتفي للعلم بمنصوب واحد في هذا الموضع، لأنه أريد لا تعرفونهم، كما قال الشاعر:
                      فإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُنِي وَوَهْباً وأنَّا سَوْفَ يَلْقاهُ كِلانا

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #356
                        حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ } إلى الصلح { فاجْنَحْ لَهَا } قال: وكانت هذه قبل براءة، كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلوا، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال:
                        { اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }
                        وقال:
                        { قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً }
                        ونبذ إلى كلّ ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويسلموا، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك، وكل عهد كان في هذه السورة وفي غيرها، وكلّ صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به فإن براءة جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: لا إله إلا الله.

                        حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } نسختها الآية التي في براءة قوله:
                        { قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَلا باليَوْمِ الآخِرِ... }
                        إلى قوله:
                        { وَهُمْ صَاغِرُونَ }


                        حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.

                        حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا }: أي إن دعوك إلى السلم إلى الإسلام، فصالحهم عليه.

                        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.

                        فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل. وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفي حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا.

                        وقول الله في براءة:
                        { فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حيْثُ وَجَدْتْموهُمْ }
                        غير ناف حكمه حكم قوله: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } لأن قوله: وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ إنَّمَا عُني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله:
                        { فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حيْثُ وَجَدْتْموهُمْ }
                        فإنما عني به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #357
                          قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قد بيناه قبل، وذلك أن قوله: { لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } خبر عام غير محصور على معنى دون معنى. وكل هذه المعاني التي ذكرتها عمن ذكرت مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة، وذلك ما عملوا من عمل بجهالة، وإحلال الغنيمة والمغفرة لأهل بدر، وكل ذلك مما كتب لهم. وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لأن يخصّ من ذلك معنى دون معنى، وقد عمّ الله الخبر بكل ذلك بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #358
                            قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ } قول من قال: معناه: أن بعضهم أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقام في دار الحرب وترك الهجرة لأن المعروف في كلام العرب من معنى الوليّ أنه النصير والمعين أو ابن العم والنسيب. فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه إلا بمعنى أنه يليه في القيام بإرثه من بعده، وذلك معنى بعيد وإن كان قد يحتمله الكلام. وتوجيه معنى كلام الله إلى الأظهر الأشهر، أولى من توجيهه إلى خلاف ذلك.

                            وإذ كان ذلك كذلك، فبِّين أن أولى التأويلين بقوله: { إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ } تأويل من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين تكن فتنة في الأرض، إذ كان متبدأ الآية من قوله:
                            { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ }
                            بالحثّ على الموالاة على الدين والتناصر جاء، وكذلك الواجب أن يكون خاتمتها به.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #359
                              سورة التوبة

                              قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: { فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ } إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله:
                              { إلا الذين عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكينَ ثُمَّ لَمْ يُنْقُصُوكُمْ شِيْئاً ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَداً فَأتمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ }


                              فإن ظنّ ظانّ أن قول الله تعالى ذكره:
                              { فإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }
                              يدلّ على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبىء عن أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تنبىء عن صحة ما قلنا وفساد ما ظنه من ظنّ أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله:

                              { كَيْفَ يَكُونُ للْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ }
                              فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم وترك مظاهرة عدوّهم عليهم. وبعد: ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين بعث عليًّا رضي الله عنه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدته أوضح الدليل على صحة ما قلنا وذلك أن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهده بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود، فأما من كان أجل عهده محدودا ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأموراً، بذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب....

                              ...

                              قال أبو جعفر رحمه الله، فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا، فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وَفَّى له بعهده إلى مدته عن أمر الله إياه بذلك، وعلى ذلك دلّ ظاهر التنزيل وتظاهرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما الأشهر الأربعة فإنها كانت أجلَ من ذكرنا، وكان ابتداؤها يوم الحجّ الأكبر وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جعل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم فيها السياحة في الأرض، يذهبون حيث شاءوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحد بحرب ولا قتل ولا سلب.

                              فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله:
                              { فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ }
                              وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين الحج الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يوماً أكثره، فأين الخمسون يوماً من الأشهر الأربعة؟ قيل: إن انسلاخ الأشهر الحرم إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خيف خيانته، فاستحق النبذ إليه على سواء غير أنه جعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر، ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد { بَرَاءةٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمُ مِنَ المُشْرِكينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أنَّكُمْ غيرُ مُعْجِزِي الله } ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرام أجلاً بأنهم أهل شرك لا أهل عهد، فقال:

                              { وأذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجّ الأكْبَرِ أنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ... }
                              الآية { إلاَّ الَّذينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ... } الآية، ثم قال:
                              { فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكيِنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }
                              ؟ فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين وإدخال النقص فيه عليهم.

                              فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحجّ الأكبر دون أن يكون كان من شوّال على ما قاله قائلوا ذلك؟ قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول براءة، وذلك غير جائز أن يكون صحيحاً لأن المجعول له أجل السياحة إلى وقت محدود إذا لم يعلم ما جعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك لأنه إذا لم يعلم ماله في الأجل الذي جعل له وما عليه بعد انقضائه فهو كهيئته قبل الذي جعل له من الأجل، ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جعل لهم من ذلك إلا حين نودي فيهم بالموسم، وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن ابتداءه ما قلنا وانقضاءه كان ما وصفنا.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #360
                                قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا: قول من قال: { يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ }: يوم النحر لتظاهر الأخبار عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليًّا نادى بما أرسله به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسالة إلى المشركين، وتلا عليهم براءة يوم النحر.

                                هذا مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم النحر: " أتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ " وبعد: فإن اليوم إنما يضاف إلى معنى الذي يكون فيه، كقول الناس: يوم عرفة، وذلك يوم وقوف الناس بعرفة، ويوم الأضحى، وذلك يوم يضحون فيه ويوم الفطر، وذلك يوم يفطرون فيه وكذلك يوم الحجّ، يوم يحجون فيه. وإنما يحجّ الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحجّ فأما يوم عرفة فإنه وإن كان الوقوف بعرفة فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، والحجّ كله يوم النحر.

                                وأما ما قال مجاهد من أن يوم الحجّ إنما هو أيامه كلها، فإن ذلك وإن كان جائزا في كلام العرب، فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معانيه، بل غلب على معنى اليوم عندهم أنه من غروب الشمس إلى مثله من الغد، وإنما محمل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتاب بلسانه....

                                قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: الحجّ الأكبر الحجّ لأنه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها، فقيل له الأكبر لذلك. وأما الأصغر فالعمرة، لأن عملها أقلّ من عمل الحجّ، فلذلك قيل لها الأصغر لنقصان عملها عن عمله.

                                تعليق

                                يعمل...