إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #391
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنة وأن تبيض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غرفاً من لآلىء، وأن يزيدهم غفراناً ورضواناً كلّ ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمّ ربنا جلّ ثناؤه بقوله: { وَزِيادَةٌ } الزيادات على الحسنى، فلم يخصص منها شيئاً دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يعمّ كما عمه عزّ ذكره.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #392
      وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون الجزاء مرفوعاً بإضمار بمعنى: فلهم جزاء سيئة بمثلها لأن الله قال في الآية التي قبلها: { لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } فوصف ما أعدّ لأوليائه، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعدّ الله لأعدائه، فأشبه بالكلام أن يقال: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة. وإذا وجه ذلك إلى هذا المعنى كانت الياء للجزاء....

      وقرأه بعض متأخري القرّاء: «قِطْعاً» بسكون الطاء، بمعنى: كأنما أغشيت وجوههم سواداً من الليل، وبقية من الليل، ساعة منه، كما قال: { فَأَسْرِ بأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } أي ببقية قد بقيت منه، ويعتلّ لتصحيح قراءته ذلك كذلك أنه في مصحف أبيّ: «ويغشى وجوههم قطع من الليل مظلم».

      والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي قراءة ذلك بفتح الطاء، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار على تصويبها وشذوذ ما عداها. وحسب الأخرى دلالة على فسادها، خروج قارئها عما عليه قرّاء أهل الأمصار والإسلام.

      فإن قال لنا قائل: فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت، فما وجه تذكير المظلم وتوحيده، وهو من نعت القِطَع والقِطْع جمع لمؤنث؟ قيل في تذكيره ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون قطعاً من الليل، وإن يكون من نعت الليل، فلما كان نكرة والليل معرفة نصب على القطع. فيكون معنى الكلام حينئذ: كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم»، فلما صار نكرة وهو من نعت الليل نصب على القطع وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك حالاً، والكوفيُّون قطعاً. والوجه الآخر على نحو قول الشاعر:
      لو أنَّ مِدْحَةَ حَيّ مُنْشِرٌ أحَداً
      والوجه الأول أحسن وجهيه.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #393
        اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس } بالباء، بمعنى: عند ذلك تختبر كلّ نفس بما قدّمت من خير أو شرّ. وكان ممن يقرؤه ويتأوّله كذلك مجاهد.

        حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ قال: تختبر.

        حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

        حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

        وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز: «تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ» بالتاء.

        واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه وتأويله: هنالك تتبع كلّ نفس ما قدمت في الدنيا لذلك اليوم. ورُوي بنحو ذلك خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه وسند غير مرتضى أنه قال: " يُمَثَّلُ لِكُلّ قَوْمٍ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَتَّبِعُونَهُمْ حتى يُورِدُوهُمُ النَّارَ " قال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: " هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ". وقال بعضهم: بل معناه: تتلو كتاب حسناته وسيئاته، يعني تقرأ، كما قال جلّ ثناؤه:
        { ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً }


        وقال آخرون: تبلو: تعاين. ذكر من قال ذلك:

        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ } قال: ما عملت. تبلو: تعاينه.

        والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، وهما متقاربتا المعنى وذلك أن من تبع في الآخرة ما أسلف من العمل في الدنيا، هجم به على مورده، فيخبر هنالك ما أسلف من صالح أو سيىء في الدنيا، وإن من خير من أسلف في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يخبر بعد مصيره إلى حيث أحله ما قدم في الدنيا من علمه، فهو في كلتا الحالتين متبع ما أسلف من عمله مختبر له، فبأيتهما قرأ القارىء كما وصفنا فمصيب الصواب في ذلك.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #394
          وأولى القراءة في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: «أمْ مَنْ لا يَهَدّي» بفتح الهاء وتشديد الدال، لما وصفنا من العلة لقارىء ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب وفيهم المنكر غيره، وأحقّ الكلام أن يقرأ بأفصح اللغات التي نزل بها كلام الله تبارك وتعالى.

          فتأويل الكلام إذا: أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلا أن يُهْدَى.

          وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك: أم من لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.

          وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما:

          حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «أفمَنْ يَهْدِي إلى الحَقّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْ مَنْ لا يَهِدّي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ» قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء.

          حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: «أمَّنْ لا يهَدّي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ» قال: قال: الوثن.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #395
            يقول تعالى ذكره: ولكلّ أمة خلت قبلكم أيها الناس رسول أرسلته إليهم، كما أرسلت محمدا إليكم يدعون من أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته. { فإذا جَاءَ رَسُولُهُمْ } يعني في الآخرة كما:

            حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ولِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فإذَا جاء رَسَوُلُهُمْ } قال: يوم القيامة.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #396
              قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار من قراءة الحرفين جميعا بالياء: { فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ } لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القرّاء عليه، والثاني: صحته في العربية.

              وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء، وإنما تأمره فتقول: افعل ولا تفعل.

              وبعد: فإني لا أعلم أحدا من أهل العربية إلا وهو يستردىء أمر المخاطب باللام، ويرى أنها لغة مرغوب عنها غير الفراء، فإنه كان يزعم أن اللام في ذي التاء الذي خلق له واجهتَ به أم لم تواجِهْ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجه لكثرة الأمر خاصة في كلامهم، كما حذفوا التاء من الفعل. قال: وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حذفت التاء ذهبت اللام وأحدثت الألف في قولك: اضرب وافرح، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكن، فأدخلوا ألفا خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ادّاركوا واثَّاقَلْتُمْ. وهذا الذي اعتلّ به الفراء عليه لا له وذلك أن العرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يدخل فيها ما ليس منه ما دام متكلما بلغتها، فإن فعل ذلك كان خارجا عن لغتها، وكلام الله الذي أنزله على محمد بلسانها، فليس لأحد أن يتلوه إلا بالأفصح من كلامها، وإن كان معروفاً بعض ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيّ ولا قبيلة منها؟ وإنما هو دعوى لا ثبَت بها ولا حجة.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #397
                يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَما تَكُونُ } يا محمد { فِي شأْنِ } يعني في عمل من الأعمال، { وَما تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرآن } يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن، { وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } يقول: ولا تعملون من عمل أيها الناس من خير أو شرّ { إلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشؤونكم إذ تعملونها وتأخذون فيها.

                وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي القول عن ابن عباس وجماعة. ذكر من قال ذلك:

                حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } يقول: إذ تفعلون.

                وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تشيعون في القرآن الكذب ذكر من قال ذلك:

                حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } يقول: فتشيعون في القرآن من الكذب.

                وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تفيضون في الحقّ. ذكر من قال ذلك:

                حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } في الحقّ ما كان.

                قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

                وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عبادُه عملاً إلا كان شاهده، ثم وصل ذلك بقوله: { إذْ يُفِيضُونَ فِيهِ } فكان معلوماً أن قوله: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } إنما هو خبر منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد لا عن وقت تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن لأن ذلك لو كان خبراً عن شهوده تعالى ذكره وقت إفاضة القوم في القرآن، لكانت القراءة بالياء: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } خبراً منه عن المكذّبين فيه.

                فإن قال قائل: ليس ذلك خبراً عن المكذّبين، ولكن خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أنه شاهده إذ تلا القرآن فإن ذلك لو كان كذلك لكان التنزيل: «إذ تفيض فيه»، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم واحد لا جمع، كما قال: { وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرآنٍ } فأفرده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائه خطابه صلى الله عليه وسلم بالإفراد ثم عوده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله:
                { يا أيُّها النَّبِيّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ }
                وذلك أن في قوله:
                { إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ }
                دليلاً واضحاً على صرفه الخطاب إلى جماعة المسلمين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم مع جماعة الناس غيره لأنه ابتدأ خطابه ثم صرف الخطاب إلى جماعة الناس، والنبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم، وخبر عن أنه لا يعمل أحد من عباده عملاً إلا وهو له شاهد يحصى عليه ويعلمه، كما قال: { وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } يا محمد عمل خلقه، ولا يذهب عليه علم شيء حيث كان من أرض أو سماء....

                واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَلا أصْغَرَ مِنَ ذلكَ وَلا أكْبَرَ } فقرأ ذلك عامَّة القرّاء بفتح الراء من «أصغر» و«أكبر» على أن معناها الخفض، عطفاً بالأصغر على الذرّة وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما لأنهما لا يجريان. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: «وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ وَلا أكْبَرُ» رفعاً، عطفا بذلك على معنى المثقال لأن معناه الرفع. وذلك أن «مِنْ» لو أُلقيت من الكلام لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذ: وَما يَعْزُبُ عن ربك مثقال ذرّة ولا أصغر من مثقال ذرّة ولا أكبر، وذلك نحو قوله:
                { منْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ }
                و«غيرِ الله».

                وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والردّ على الذرّة لأن ذلك قراءة قرّاء الأمصار وعليه عوامّ القرّاء، وهو أصحّ في العربية مخرجا وإن كان للأخرى وجه معروف.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #398
                  حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَأْتِي مِنْ أفناءِ النَّاسِ ونَوَازِعِ القَبائِلِ قَوْمٌ لَمْ يَتَّصِلْ بَيْنَهُمْ أرْحامٌ مُتَقارِبَةٌ، تَحابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا فِي اللَّهِ يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَومَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْها، يَفْزَعُ النَّاسُ فَلا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ".

                  والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليّ، أعني وليّ الله، هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله:
                  { الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ }
                  وبنحو الذي قلنا في ذلك، كان ابن زيد يقول:

                  حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } من هم يا ربّ؟ قال: { الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ } قال: أبى أن يتقبل الإيمان إلا بالتقوى.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #399
                    وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له منها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ المَلائِكَةَ التي تَحْضُرُه عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، تَقُولُ لَنْفْسِهِ: اخْرُجي إلى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ " وَمنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل، كما قال جلّ ثناؤه:
                    { وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ... }
                    الآية. وكلّ هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جلّ ثناؤه أن { لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } وأما في الآخرة فالجنة.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #400
                      واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الأمصار: وشَرَكاءَكُمْ نصبا، وقوله: فَأجْمِعُوا بهمز الألف وفتحها، من أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعاً. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: { فأجمِعوا أمْرَكُمْ } بفتح الألف وهمزها «وَشُرَكاؤُكُمْ» بالرفع على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرهم أيضاً معكم شركاؤكم.

                      والصواب من القول في ذلك قراءة من قرأ: { فَأجْمِعُوا أمْرَكُمُ وَشُرَكاءَكُمْ } بفتح الألف من «أجمعوا»، ونصب «الشركاء»، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو. وعني بالشركاء آلهتهم وأوثانهم.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #401
                        يقول تعالى ذكره: { فَلَمَّا ألْقَوْا } ما هم ملقوه { قالَ } لهم { مُوسَى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ }.

                        واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق { ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون أنه سحر كأن معنى الكلام على تأويلهم، قال موسى: الذي جئتم به أيها السحرة هو السحر. وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين البصريين: «ما جئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ» على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاءوا به، أسحر هو أم غيره؟

                        وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أيّ شيءٍ هو، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحقّ الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدّقونه في الخبر عما جاءوا به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحقّ الذي أتاه ومبطل كيدهم بجدّه، وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآخرى.

                        فإن قال قائل: فما وجه دخول الألف واللام في السحر إن كان الأمر على ما وصفت وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا: ما جاءني به عمرو درهم، والذي أعطاني أخوك دينار، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم، وما جاءني به عمرو الدينار؟ قيل له: بلى كلام العرب إدخال الألف واللام في خبر ما والذي إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأن الخبر حينئذ خبر عن شيء بعينه معروف عند الفريقين وإنما يأتي ذلك بغير الألف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر، وخبر موسى كان خبراً عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر، فقال لهم موسى: السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال: { إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعباناً يتلقفه حتى لم يبق منه شيء. { إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ } يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب: «ما أتيتم به سحر»، وفي قراءة ابن مسعود: «ما جئتم به سحر»، وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #402
                          وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية القول الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن الذرية في هذا الموضع أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرّوا بنبوّته لطول الزمان، فأدركت ذرّيتهم فآمن منهم من ذكر الله بموسى.

                          وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى، فلأن تكون الهاء في قوله «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبُعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر.

                          وبعد، فإن في قوله: { عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } الدليل الواضح على أن الهاء في قوله: { إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } من ذكر موسى لا من ذكر فرعون لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام: «على خوف منه»، ولم يكن { على خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ }.

                          وأما قوله: { عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ } فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرّية قوم موسى بموسى.

                          فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه من بني إسرائيل وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم. وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فقيل لهم الذرّية من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: أبناء. والمعروف من معنى الذرّية في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قِبَل الرجال والنساء، كما قال جلّ ثناؤه:
                          { ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح }
                          وكما قال:
                          { وَمنْ ذُرّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيمانَ وأيُّوبَ وَيُوسُفَ }
                          ثم قال بعد:
                          { وَزَكَرِيَّا وَيْحَيى وَعِيسَى وَإلَيْاسَ }
                          فجعل من كان من قِبَل الرجال والنساء من ذرّية إبراهيم....

                          وأما قوله: { وَمَلَئِهِمْ } فإن الملأ: الأشراف. وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.

                          واختلف أهل العربية فيمن عني بالهاء والميم اللتين في قوله: { وَمَلَئِهِمْ } فقال بعض نحويي البصرة: عني بها الذرّية. وكأنه وجه الكلام إلى: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون، وملأ الذرية من بني إسرائيل. وقال بعض نحويي الكوفة: عني بهما فرعون، قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر لخوف أو سفر أو قدوم من سفر ذهب الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد بمن معه، وقدم فغلت الأسعار؟ لأنا ننوي بقدومه قدوم من معه.

                          قال: وقد يكون يريد أن بفرعون آل فرعون، ويحذف آل فرعون فيجوز، كما قال:
                          { وَاسْئَل القَرْيَةَ }
                          يريد أهل القرية، والله أعلم. قال: ومثله قوله:
                          { يا أيُّها النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }


                          وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الهاء والميم عائدتان على الذرية. ووجه معنى الكلام إلى أنه على خوف من فرعون، وملأ الذرّية لأنه كان في ذرّية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيلية، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعون على موسى. وقوله: { أنْ يَفْتِنَهُمْ } يقول: كان إيمان من آمن من ذرّية قوم موسى على خوف من فرعون أن يفتنهم بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. وقال: { أنْ يَفْتِنَهُمْ } فوحد ولم يقل: «أن يفتنوهم»، لدليل الخبر عن فرعون بذلك أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه لما قد تقدّم من قوله: { عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ }.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #403
                            حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } لا تبتلنا ربنا فتجهدنا وتجعله فتنة لهم هذه الفتنة. وقرأ: { فِتْنَةً للظَّالمينَ } قال المشركون حين كانوا يؤذون النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويرمونهم:: أليس ذلك فتنة لهم، وسوءا لهم؟ وهي بلية للمؤمنين.

                            والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن القوم رغبوا إلى الله في أن يجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاء، وكل ما كان من أحرٍ لهم مَصَدّة عن اتباع موسى والإقرار به وبما جاءهم به، فإنه لا شكّ أنه كان لهم فتنة، وكان من أعظم الأمور لهم إبعادا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المَصَدّة كان لهم عن الإيمان، أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنة في أنفسهم من بلية تنزل بهم، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #404
                              وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً. ذكر من قال ذلك:

                              حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: يقابل بعضها بعضا.

                              وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي قدمنا بيانه وذلك أن الأغلب من معاني البيوت وإن كانت المساجد بيوتا، البيوت المسكونة إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد لأن المساجد لها اسم هي به معروفة خاصّ لها، وذلك المساجد. فأما البيوت المطلقة بغير وصلها بشيء ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة، وكذلك القبلة الأغلب من استعمال الناس إياها في قِبَل المساجد وللصلوات. فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به دون الخفي المجهول ما لم تأت دلالة تدلّ على غير ذلك، ولم يكن على قوله: { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } دلالة تقطع العذر بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب، لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا. وكذلك القول في قوله: { قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ } يقول تعالى ذكره: وأدّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها. وقوله: { وَبَشِّرِ المُومِنِينَ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله يا محمد المؤمنين بالثواب الجزيل منه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #405
                                وقد اختلفت أهل العلم بالعربية في معنى هذه اللام التي في قوله: { لِيُضِلّوا } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فضلوا عن سبيلك، كما قال:
                                { فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُوَنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً }
                                أي فكان لهم وهم لم يلتقطوه ليكون عدوا وحزنا، وإنما التقطوه فكان لهم. قال: فهذه اللام تجيء في هذا المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه اللام لام كي ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم كي يضلوا، ثم دعا عليهم وقال آخر: هذه اللامات في قوله «ليضلوا» و «ليكون لهم عدوًّا»، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضلالهم، والتقطوه لكونه لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل لام كي في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام كي لتقارب المعنى، قال الله تعالى:
                                { سَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا عَنْهُمْ }
                                أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم وقال الشاعر:

                                سَمَوْتَ ولَمْ تَكُنْ أهْلاً لِتَسْمُو وَلكنَّ المُضَيَّعَ قَدْ يُصَابُ
                                قال: وإنما يقال: وما كنت أهلاً للفعل، ولا يقال لتفعل إلا قليلاً. قال: وهذا منه.

                                والصواب من القول في ذلك عندي: أنها لا م كي، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويُضِلوا عن سبيلك عبادك، عقوبةً منك. وهذا كما قال جلّ ثناؤه:
                                { لأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ }....

                                واختلف أهل العربية في موضع: { يُوءْمِنُوا } فقال بعض نحويي البصرة: هو نصب لأن جواب الأمر بالفاء أو يكون دعاء عليهم إذا عصوا. وقد حُكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصب عطفا على قوله: { لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ }. وقال آخر منهم، وهو قول نحوييِّ الكوفة: موضعه جزم على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر:

                                فَلا يَنْبَسِطْ مِنْ بينِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوَى وَلا تَلْقَنِي إلاَّ وأنْفُكَ رَاغِمُ
                                بمعنى: فلا انبسط من بين عينيك ما انزوى، ولا لقيتني على الدعاء. وكان بعض نحويّي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا. قال: وإن شئت جعلتها جوابا لمسئلته إياه، لأن المسئلة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل { فلا يؤْمِنُوا } في موضع نصب على الجواب، وليس بسهل.

                                قال: ويكون كقول الشاعر:

                                يا ناقَ سِيرِي عَنَقاً فَسِيحا إلى سُلَيْمَانَ فَنَستَرِيحا
                                قال: وليس الجواب بسهل في الدعاء لأنه ليس بشرط.

                                والصواب من القول في ذلك أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا. وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاء، وذلك قوله:
                                { رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ }
                                فإلحاق قوله: { فَلا يؤْمِنُوا } إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.

                                تعليق

                                يعمل...